المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تنجح أمريكا في تغيير الشرق الأوسط ؟؟



alazez1423
11 Aug 2003, 01:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم







هل تنجح أمريكا في تغيير الشرق الأوسط ؟؟





في إطار التزايد المتصاعد للمقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال الأمريكية والتي أسفرت عن خسائر فادحة في صفوف الجنود الأمريكيين برغم تكتم قوات الاحتلال على الكثير منها ؛ في هذا الإطار كان لابد لإدارة بوش أن تغير خطابها السياسي حول العراق لتبرير ورطتها ؛ خاصة مع انكشاف أكاذيبها عن أسلحة العراق ، وانهيار المبررات الوهمية لخوض هذه الحرب .


في هذا الإطار لاحظ عديد من المراقبين أن خطاب إدارة بوش حول العراق قد تغير ، فبعد الحديث عن أسلحة الدمار الشامل التي أسفرت عمليات البحث عنها عن فشل ذريع ؛ صار الحديث عن نشر الديمقراطية في العراق والعالم الإسلامي .


فقد تحركت إدارة بوش لتأكيد سبب جوهري آخر لشن الحرب ضد العراق , وهذا السبب هو جعل العراق بداية العجلة لتغيير الشرق الأوسط ، والذي يؤدى وفقا للرؤية الأمريكية إلى إبعاد التهديد الإرهابي عن الولايات المتحدة .


وكمثال على هذا التغيير في الخطاب السياسي للإدارة الأمريكية ؛ صرح الرئيس الأمريكي جورج بوش قائلا : 'أن إيجاد عراق حر ومسالم أمر ضروري من أجل استقرار الشرق الأوسط، ووجود شرق أوسط مستقر أمر ضروري من أجل أمن الشعب الأمريكي ' .


كما أن واحد من صقور البنتاجون ومهندسي حرب العراق وهو بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي صرح لشبكة ' إن بي سي ' الأمريكية قائلا : ' هذه المعركة لتحقيق السلام في العراق الآن هي المعركة الرئيسية في الحرب العالمية على الإرهاب ، وهذه التضحيات لن تجعل الشرق الأوسط فقط الأكثر استقرارا ، بل بلادنا أيضا ستصبح أكثر أمانا '.


كما زاد الأمر إيضاحا تصريح ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي حيث قال :' العراق سيقف كمثال إلى بقية الشرق الأوسط وهكذا يساهم [ نموذج العراق ] مباشرة في تحقيق أمن أمريكا وأصدقائنا '.


بعد هذه التصريحات المختلفة جاء مسئول كبير في الإدارة الأمريكية ليفسر هذه التصريحات فقال : ' الولايات المتحدة بدأت ما أسماه بالتزام جيلي أو عمري تجاه العراق مثلما فعلت تجاه ألمانيا في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية .


وبهذا التصريح أوضح مساعد بوش الأهداف الحقيقية للعدوان على العراق ، حيث أكد أن لإدارة بوش إستراتيجية طويلة المدى من أجل نشر قيمها في العراق والشرق الأوسط مثلما فعلت في أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين .


وهذه الاستراتيجية الأمريكية تؤكد أن إدارة بوش لا تنوى البقاء في العراق سنة أو سنتين بل أنها تخطط البقاء طويلا حتى يتحقق هدفها – والذي لن يتحقق – من نشر القيم والثقافة الأمريكية في العالم الإسلامي – والذي ليس هو مجرد نشر بل تطبيع وتبعية - .


ولكن هل يعنى ذلك أن أمريكا لم تفصح عن هدفها هذا قبل العدوان ؟؟


حقيقة لقد أوضح بوش أكثر من مرة أن من ضمن أهدافه للعدوان هو تغيير الشرق الأوسط فقد صرح بوش في 26 فبراير الماضي بوش قائلا : 'عراق محرر من الممكن أن يصبح قوة للحرية لتغيير هذه المنطقة الحيوية .. ' .


إلا أن بوش عندما كان يتحدث عن تغيير الشرق الأوسط قبل بدء العدوان ، كان يتحدث عنه كهدف من ضمن عدة أهداف ليس باعتباره كهدف رئيسي الآن .. ؛ لأن بوش وقتها كان سيلقي معارضة عنيفة إذا قال أن هدفها الرئيسي من الحرب هو تغيير الشرق الأوسط .


ولكن هل تغيير الشرق الأوسط هو هدف أمريكي جديد صنعته أحداث 11 سبتمبر كما تزعم الإدارة الأمريكية ؟؟


حقيقة أن الناظر في التاريخ الأمريكي ، يجد أن الأمريكيين منذ أن ظهروا على وجه التاريخ وهم يرون في أنفسهم قمة النموذج الإنساني وليس هذا فحسب بل يرون أن عليهم دورا عالميا وهو نشر هذه القيم والأخلاق الأمريكية في كافة أرجاء وفي هذا الصدد قال الرئيس الأمريكى الأسبق تيودور روزفلت [1858 ـ 1919]: 'أمركة العالم هي مصير وقدر أمتنا' .


وبالرغم من مرور مئات السنين على نشأة أمريكا ما زالت العقلية الأمريكية هي ذاتها, فأمريكا تصر على أن أهدافها التوسعية وتدخلها الصارخ في شؤون الدول الأخرى ما هي إلا جزء من حربها المعلنة ضد أشرار العالم, سواء الاتحاد السوفيتي أو 'الإمبراطورية الشريرة' كما أسماها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان, أو إيران والعراق وكوريا الشمالية, أو 'محور الشر' كما أسماهم الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش.


وقد يظن البعض أن أمركة العالم هي هدف لإدارة بوش فقط أو لمن يطلق عليهم مصطلح ' المحافظون الجدد ' وهو أمر غير صحيح حيث أن الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون أكد هو الآخر سعيه إلى التغيير بهدف استعادة الحكم الأمريكي حين قال في خطاب ترشيحه للرئاسة: 'أعرف أن منافستنا في المستقبل ستكون مع ألمانيا وبقية أوروبا واليابان وبقية بلدان آسيا وأعرف أننا بصدد أن نخسر زعامة أمريكا للعالم لأننا نخسر الحلم الأمريكي هنا في الداخل' ..


وهكذا فأن أمركة العالم كما أسماها روزفلت هو هدف أمريكي منذ أن نشأت الدولة الأمريكية ، ولقد تحقق هذا الهدف في أغلب دول العالم إلا أن المنطقة التي لا زالت عصية على هذا الهدف هي منطقة العالم الإسلامي ، والتي جاء دورها وفقا للرؤية الأمريكية .


ولكن هل ستخضع المنطقة العربية والإسلامية للخطط الأمريكية ؟


يبقي السؤال الهام هل ستنجح أمريكا في تغيير المنطقة العربية والإسلامية كما تريد ..؟؟


نقول في الإجابة على هذا السؤال بكل ثقة ... لا .


وسنفصل إجابتنا هذه من خلال المنطق السياسي الفكري ، حتى لا يتهمنا أننا لا نعيش في الواقع ..


ففي الحقيقة فإن الحماس الأمريكي لغزو العراق وتغيير النظام فيه أنبنى على أوهام تأسست على ادعاء حمل عبء رسالة كونية تبتغي تغيير العالم، وليس فقط العراق أو العالم العربي، لإعادة هيكلته على شاكلة أمريكا. ومن هنا طلعت الإدارة الأمريكية بقصة حرب التحرير لنشر الديمقراطية وتعميم الرخاء والازدهار في العراق، متخلّية في ذلك عن كل ادعاءاتها السابقة .


واللافت أن مهندسي الحرب في أمريكا اعتقدوا بأن الغزو سيكون بمثابة نزهة سريعة و'نظيفة'، بضعة أيام ويكونون على أبواب بغداد وينهار النظام ويخرج الشعب لاستقبالهم بالتهليل والأرز والرياحين! ولكن 'الرياح لم تجري كما تشتهي السفن'، فالعراقيون صمدوا واستقبلوا 'المحررين' بعداء كبير، وظهر أن هذه العملية ليست مجرد نزهة وأنها ستكون طويلة وقاسية .


والواقع فإن هؤلاء المنظّرين الذين يرون في أنفسهم أصحاب مهمة 'رسالية'، تمزج بين فعل الهيمنة الإمبراطوري وإرادة التغيير المثالية، لم يلتفتوا إلى أهمية تفحّص مقولاتهم والتأكد من ملاءمتها للواقع الذين يريدون تغييره والتكهن بعواقبها، واختبار ما إذا كانت رسالتهم ستصل إلى المعنيين أو إذا كانت تعبر بالفعل عن أولوياتهم واحتياجاتهم، فأمريكا، لدى هؤلاء، هي المعيار فهي 'الخير' المطلق وما تريده يجب أن يكون، حتى لو تطلّب الأمر استخدام القوة المتجبّرة والمدمرة ماديا وأخلاقيا، لأن 'الغاية تبرر الوسيلة'!


لقد بنى هؤلاء المنظرين توهماتهم على تصورات مبسطة ومستعجلة ومتغطرسة، هي على الأغلب نتاج بيئات ثقافية مغايرة أو نتاج تجارب محدودة، وعابرة، ليس لها علاقة بفهم طبيعة شعوب المنطقة وثقافاتها ونفسياتها وذاكرتها التاريخية.


فلا يمكن في المثال الإسلامي عموما استعارة التجربة الألمانية واليابانية، التي هي نتاج الحرب العالمية الثانية، بسبب الظروف الدولية المختلفة تماما وبسبب طبيعة الثقافة العربية ـ الإسلامية، وموروث الصراع ضد الغرب.


كذلك لا يمكن استعارة تجربة سقوط الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الاشتراكية، في مطلع التسعينيات. ففيما كانت حكومات هذه الدول على عداء مع الغرب، بسبب طبيعة نظامها الأيدلوجي والسياسي والاقتصادي، فإن شعوبها كانت، على الأغلب، ترى في الغرب نموذجا ناجحا وحلما ينبغي الإقتداء به، فما إن جاءت عوامل التغيير حتى انهارت أنظمة هذه الدول واحدة وراء الأخرى ، أما المسألة لدينا فهي معكوسة ففي حين أن معظم الحكومات العربية تملك علاقات تحالف أو صداقة مع الغرب، ولاسيما مع أمريكا، فإن الشعوب العربية، في المقابل، تكنّ مشاعر عداء عميقة ضد الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب كثيرة منها سياساتها المعادية للعرب ودعمها لإسرائيل .


وفوق ذلك أنه في حين أن العامل الثقافي والديني لعب دورا ايجابيا مهما لصالح الغرب وأمريكا في الدول الاشتراكية [السابقة] فإنه في المنطقة الإسلامية يلعب دورا سلبيا وعكسيا بسبب الاختلاف في هذين الأمرين.


كما أن المغامرة الأمريكية جاءت في وقت عاد للشعوب وعيها ، خاصة وأن الذاكرة العربية لا تستطيع أن تنسي المشاريع الاستعمارية السابقة ، وهو الأمر الذي يعنى أن أمريكا سقطت في مستنقع أكثر فظاعة من مستنقع فيتنام ، فقد تحتاج واشنطن إلى إعادة النظام الإجباري في الجيش, كما يقول البعض كحلها الوحيد, بالإضافة إلى التوقعات بأن تكلفة احتلال العراق سوف تتضاعف إذا وجدت الحاجة إلى إرسال قوات إضافية، وإذا استمرت المقاومة العراقية على نفس المنوال.


بمعنى آخر, الإمبراطورية الأمريكية تواجه ورطة حقيقية ستسرع بنهاية الحلم الأمريكي . ( منقول )