المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلاشنكوف الرشاش الشهير



المهندس
25 Feb 2004, 12:26 AM
"كلاشينكوف".. قصة الرجل والسلاح

قاتل الملايين.. البريء من دمهم!
http://rafha.com/4forum/klash.jpg

لا يعرف أحد على وجه الدقة عدد ضحاياه، لكنه قطعا تجاوز الملايين، ورغم ذلك فهو بريء من دمهم جميعا!!

وطوال نصف القرن الماضي أو ما يزيد كان اسمه قاسما مشتركا بين كل الحروب والعمليات العسكرية، أو أعمال العنف على مختلف أسمائها: إرهابية.. فدائية.. أو استشهادية.

هو صاحب الاسم الأكثر ترددا سواء على ألسنة العوام أو ألسنة المثقفين.

وإذا كان صعبا على من ينطق الاسم أن يتبادر إلى ذهنه شيء غير الدم والخراب، فإن من رأوا الرجل قالوا بأنه غاية في البساطة والوداعة والتواضع بشكل لا يتسق مع أهمية وخطورة الثورة التي أحدثها في مجال التسليح، وهو فعلا كذلك.

يعرف عشاق القصص البوليسية أن سير آرثر كونان دويل مبتكر شخصية شرلوك هولمز ساءه كثيرًا أن تكون الشخصية التي ابتكرها أشهر منه وأنه -غيظا من ذلك- قرر أن ينتقم منها وأن يقتلها في إحدى رواياته!!

هذا الشيء تكرر مع ميشا أو ميخائيل كلاشينكوف الذي عاش حياته مجهولا، فيما كان السلاح الذي وضع تصميمه يحقق من الشهرة على مستوى العالم كله ما لم يحققه سلاح أو شخص غيره، غير أن رد الفعل اختلف؛ إذ كان ميشا قانعا، فرحا بينه وبين نفسه، صحيح أنه لم يكن يستطيع أن يقتل ابتكاره، لكنه كان يمكنه أن يغادر الاتحاد السوفيتي، ليحصد ثمار نجاحه التي لم ينل شيئا منها وهو في داخلها، لكنه لم يفعل ورضي بأن يكون خادما لوطنه ومضحيا في سبيله بكل ما يملك، وتلك نقطة أخرى تستحق الاحترام.

هارب من سيبيريا

"هناك من يولدون ويعيشون ويموتون ولكن مآثر كلاشينكوف ستظل خالدة".

الكلمات السابقة جاءت على لسان فلاديمير بوتين الذي انتزع نفسه من متابعة حرب الشيشان ليشارك في الاحتفال بعيد ميلاد كلاشينكوف الثمانين عام 1999.

ولد ميشا في قرية لم يكن فيها مجرد دراجة هوائية؛ فحاول تصميم وصناعة هذه الدراجة، وصمم لها محركا ذاتي الحركة، لكنه فشل لعدم توافر المواد الضرورية لذلك، وعندما تحدث مع معلمه في مدرسة القرية هز رأسه، وقال له: من أين نأتي بالمواد لصناعه الدراجة؟

ولد عام 1919 في أسرة من الفلاحين ليكون الطفل رقم 18 لوالدته وأحد الثمانية الذين بقوا منهم على قيد الحياة. أما أسرته فقد عاشت القمع الستاليني بكل تفاصيله؛ فقبل أن يبلغ الحادية عشرة تم تهجيره إلى سيبيريا مع أسرته باعتبارها من أعداء الشعب، لكنه قرر الهرب، فعاد إلى قريته ماشيًا على قدميه لأكثر من 1000 كيلومتر؛ ليظل الخوف يلازمه من أن يكتشف أحدهم ماضيه كهارب من سيبيريا، وليظل حريصا باستمرار على أن تبقى هذه الفترة مجهولة من سيرة حياته، حتى أن أقرب المقربين منه، مثل أولاده وأحفاده، لم يعرفوا شيئا عنها قبل وصول ميخائيل جورباتشوف إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي الذي كان..

عاد ميشا إلى قريته لينضم إلى الشبيبة الشيوعية "الكومسمول" التي مكنته من الحصول على وظيفة سكرتير فني ليمضي عامين لا يفعل شيئا خلالهما غير الرد على التليفون وملء الأوراق.

أديسون المحلي!

انضم ميشا إلى صفوف الجيش ليصبح عام 1938 فنيا لدبابة، وهو المكان الذي أظهر فيه مهاراته، كما لاحت بوادر تميزه في تصنيع الأسلحة؛ فسرعان ما اخترع (ولم يكن تجاوز العشرين) بعض تجهيزات للدبابة، لاقت إعجاب الجنرال جوكوف أحد أشهر الضباط في التاريخ السوفييتي.

وجيورجي جوكوف تولى قيادة الجيوش في منطقة كييف عام 1940، وكان يشجع الجنود على سلوك طريق الاختراع، وذات مرة جرى تنظيم مسابقة لتصميم جهاز يحسب عدد القذائف التي تطلقها الدبابات، ولما كان ميشا بين المشاركين فقد وصل إلى التصفيات النهائية، وكانت جائزته الحصول على لقب "أديسون المحلي" الذي كان زملاؤه يتندرون به عليه وإن بدءوا ينظرون إليه بعين مختلفة وهم يرون صحيفة "الجيش" تعلن الاعتراف رسميا بمواهبه كمخترع، وقرءوا وصف الخبراء للاختراع بأنه سهل الاستخدام ومضمون النتيجة.

وجاءت الحرب العالمية الثانية ليشارك ميشا في معركة بريانسك ضد الألمان؛ فكانت إصابته بعد 7 أيام من القتال خلف الخطوط الألمانية، وبهذا الشكل انتهى به الحال في أحد المستشفيات.

وهناك وعلى الرغم من الآلام التي كان يعاني منها بسبب جروحه، كانت الفكرة الوحيدة التي تسيطر على ذهنه هي كيف يخترع سلاحا يمكن الروس من قهر الفاشيين، ولم تمض 5 سنوات من الجهد حتى توصل كلاشينكوف إلى تصميم بندقيته (47-AK) التي حملت اسمه، والتي فاقت شهرتها كل أسلحة العالم.

وأصبح العريف مرموقا

كان ميشا وهو جريح في المستشفى يحلم ليلا بتصميم سلاح يتفوق على بندقية "ديجتياريف"، وفي النهار كان يبذل كل جهده ليرسم على الورق ما حلم به، لقد أصبح مريضا به فكان يعيد الرسم مئات المرات في اليوم، وكان واضحا نقص معارفه؛ فهو لم يكن قد تلقى تعليما مدرسيا لأكثر من سبع سنوات. أدرك ميشا ذلك فقرر أن يتغلب على آلامه، ويتردد يوميا على مكتبة المستشفى، وفيها وجد بعض الكتب التي كان لها تأثير كبير في حياته، بينها كتاب "فلاديمير فيدوروف" عن تطور الأسلحة النارية.

هناك أيضا من كان يساعده، كان هناك ضابط جريح يعمل قبل الحرب باحثا في مركز علمي حول آليات عمل الأسلحة الآلية، ومنه تعلم ميشا الكثير، أبسطه أنه شرح له ماذا تعني كلمة "آلي" باللغة اليونانية، وكيف أنها تدل على "ما يعمل ذاتيا"، أما في الأسلحة فإنها تعني القدرة على الإطلاق دون توقف بمجرد الضغط على الزناد.

هكذا درس كل الأسلحة الآلية والأوتوماتيكية المعروفة وقتئذ، غير أن جراحه كانت تلتئم ببطء وذراعيه لم تكونا تساعدانه على القيام ببعض التجارب العملية.

وهنا بدأت قصة السلاح الذي تفوق به على مخترعين عظام في الجيش الروسي؛ الأمر الذي جعله يحصل عام 1949 على جائزة ستالين ولم يكن عمره جاوز 29 سنة، وكانت المفارقة أنه قرأ الخبر في الصحف. كان مضطربا جدا وهو يتصفح السطور المكتوبة عنه، وزاد اضطرابه صغر سنه وتواضع الرتبة العسكرية التي يحملها. كانت جائزة ستالين تمثل آنذاك تكريما معنويا استثنائيا، فأصبح ميشا شخصية مرموقة، كما وفرت له الجائزة مبلغ 150 ألف "روبل" وإن بقي كما هو يحمل رتبة عريف!!

الأمريكيون جعلوه جنرالا!

مما يثير الدهشة أيضا أن ميخائيل كلاشينكوف لم يكن يتمتع بأي "براءة اختراع" بالنسبة للسلاح الذي صممه وتم إنتاجه، ولم يكن يتقاضى أي "كوبيك" -وهو أصغر وحدة نقدية من أجزاء الروبل الروسي- عن مبيعات ذلك السلاح، فقط كان يحصل على راتب كبير يدرج في فئة راتب "حسب الشخص"، وهو الراتب الذي كان يكفي احتياجاته الضرورية دون زيادة أو نقصان، والأغرب أنه لم يحصل على رتبة رقيب إلا في فترة متأخرة، بعد أن نشرت مجلة أمريكية مقالا قالت فيه إن عريفا روسيا يقوم بتسليح جميع بلدان حلف وارسو، وتلك كانت هي المرة الأولى التي تم فيها الحديث عنه في الغرب، وبسبب هذا المقال التفتت السلطات الروسية إلى ترقيته، فحصل مع صعود بوريس يلتسين إلى السلطة في روسيا على رتبة الكولونيل، ورغم صدور مرسوم من مجلس الوزراء الروسي بمنع منح رتبة جنرال؛ فإن يلتسين أصدر قرارا استثنائيا بمنح كلاشينكوف رتبة الجنرال.

نشير هنا أيضا إلى أن ميشا كان قد نال لقب "بطل العمل الاشتراكي" بقرار من الحكومة عام 1958 بسبب مساهمته في "تعزيز ثورة الدولة" لتتوالى بعد ذلك الأوسمة والنياشين؛ فحصل عام 1964 على جائزة لينين التي كانت تمثل أهم الأوسمة التي تمنحها الدولة عن النجاحات المحققة في مختلف الميادين من علوم وتقنيات وآداب وفنون.

وفي عام 1971 قرر المعهد التقني في مدينة "تولا" أن يمنح درجة الدكتوراه في العلوم التقنية، ثم حصل عام 1976 على لقب "بطل العمل الاشتراكي" للمرة الثانية.

مع العظماء وجها لوجه

نعود إلى عام 1950 الذي أصبح فيه ميشا عضوا في مجلس السوفييت الأعلى ليبقى في هذا المجلس حتى حله عام 1988، فقط غاب عنه 10 سنوات عندما مات ستالين وخلفه نيكيتا خروتشوف.

دخل ميشا المجلس عندما كان عمره 30 سنة فقط، وكانت كل مشاعر الخوف تتملكه وهو يجتاز للمرة الأولى إحدى بوابات الكريملين؛ خوفا من أن يعرف أحد أنه نفسه هو الشخص الذي هرب صغيرا من منفى سيبيريا حيث كانت السلطات ترسل أعداء الشعب (!!)، لكنه فور دخوله إلى القاعة كان في منتهى السعادة وهو يجلس إلى جانب شخصيات كان قد سمع عنها وأعجب بها، كالشاعر رسول حمزاتوف ورائد الفضاء يوري جاجارين والكاتب الشهير ميخائيل شولوخوف وجراح العيون الشهير "فيدوروف"، ومن شدة تواضعه أراد في أوقات كثيرة أن يقترب من شولوخوف ويتعرف عليه، لكنه لم يجرؤ أبدا على فعل ذلك!!

في ذلك الوقت كانت مدينة جيفسك قد أصبحت مقر إقامة كلاشينكوف وأسرته، وهي المدينة التي كانت في سنوات العهد السوفيتي مغلقة، يمنع على الأجانب حتى العاملين في روسيا زيارتها أو دخولها، ومثل مدينته كان كلاشينكوف مغلقا هو الآخر، لا يعرفه أحد إلا العاملين القليلين معه، يعيش في شقة عادية مثله مثل الملايين، يذهب إلى محلات البقالة والأسواق لشراء احتياجاته ومتطلبات أسرته، وكثيرا ما كان ينتظر في طوابير شراء المواد الغذائية كغيره في العهد السوفيتي للحصول على الكفاف الضروري للحياة، ورغم أن اللافتات المعلقة في المحلات كانت تبيح لمن يحمل أوسمة البطولة تخطي طوابير الانتظار للحصول على ما يريد فإنه حرص على عدم التباهي بوضع الأوسمة والميداليات على صدره.

وبزوال عهد الستار الحديدي السوفيتي ظهر كلاشينكوف علانية، وأخذت الأضواء تتركز عليه، وأصبح يزور ويزار، ويكتب ويتحدث ويحاضر ويجيب على أسئلة الصحفيين والإعلاميين.

ولكن شيئا لم يتغير

وبعد عمر طال أقيم له في مدينة جيفسك أكبر متحف يضم كل نماذج سلسلة اختراعاته وتطويراته التي أدخلها على الكلاشينكوف.

تلك هي بعض سطور من حياة رجل بقي على مدى أكثر من نصف قرن (منذ عهد زعامة ستالين للاتحاد السوفيتي السابق حتى روسيا المسماة بالديمقراطية) محافظًا على توازنه واتزانه لم يتغير في شيء، يسكن بيتا متواضعا في مدينة جيفسك (عاصمة جمهورية أودمورتيا إحدى الجمهوريات الداخلة ضمن الاتحاد الروسي) حيث يقع أيضا مصنع كلاشينكوف الشهير.

وهي المدينة التي تستقبل زوارها بصورة كبيرة ملونة لميخائيل كلاشينكوف، تحتها كلمات قليلة يقول فيها: "لقد بذلت كل جهدي وقدرتي في الدفاع عن وطني، وحتى تكون حياتكم صافية ومزدهرة لا تعكرها الحروب!!.

وصلني عبر البريد